أظهرت دراسة متقدمة أنه يمكن تقليل شغف الكوكايين بنجاح من أجل التخلص من الإدمان بشكل فعال
نجح باحثون في تحييد جزيء بروتيني يُسمى عامل تحفيز مستعمرات المحببات (G-CSF)، وهو بروتين شائع بين متعاطي الكوكايين (سواءً كانوا متعاطين جددًا أو متكررين) في دمائهم وأدمغتهم . يؤثر هذا البروتين على مراكز المكافأة في الدماغ، وبالتالي فإن تحييده أو "إيقافه" من شأنه أن يقلل من الرغبة الشديدة في تعاطي الكوكايين لدى المدمنين. أُجريت هذه الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Communications، على الفئران، ويقترحها الأطباء كخطوة أولى نحو تطوير دواء محتمل لمساعدة المدمنين على التغلب على إدمان الكوكايين.
الكوكايين الإدمان
الكوكايين مخدر قاتل ، يُمكن أن يُسبب آثارًا صحية خطيرة، بل وحتى الموت المفاجئ، وهو ثاني أكثر المخدرات غير المشروعة تهريبًا في العالم. يتعاطى الكوكايين ما بين 15 و19.3 مليون شخص حول العالم (ما يُعادل 0.3% إلى 0.4% من إجمالي السكان) مرة واحدة على الأقل سنويًا. يُعد الكوكايين مُسببًا للإدمان الشديد ، فهو مُنشط قوي، وعادةً ما تتطور لديه مقاومة للمخدر بعد جرعات قليلة، مما يُؤدي سريعًا إلى الاعتماد عليه . يُسبب الكوكايين اعتمادًا نفسيًا، ويُؤثر على الدماغ. يُؤدي إدمان الكوكايين إلى أضرار طويلة الأمد على صحة الإنسان، بما في ذلك صحته البدنية والنفسية والعاطفية. تُعد فئة الشباب (أقل من 25 عامًا) الأكثر عرضةً لإدمان الكوكايين، لأنه يُسبب لهم تنشيطًا ونشوةً مؤقتة، وهذه الفئة العمرية عمومًا أكثر عرضةً للإدمان.
إدمان الكوكايين مرض معقد لا يقتصر على إحداث تغييرات في دماغ المتعاطي فحسب، بل يشمل أيضًا تغييرات هائلة في مجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية والأسرية والبيئية الأخرى. يُعدّ علاج إدمان الكوكايين بالغ التعقيد، إذ يجب أن يتناول جميع هذه التغييرات إلى جانب الاضطرابات النفسية المصاحبة الأخرى التي تتطلب تدخلات سلوكية أو دوائية إضافية. تشمل الأساليب التقليدية لعلاج إدمان الكوكايين أو سلوك البحث عنه العلاج النفسي والعلاج غير الدوائي. وتتضمن برامج "الخطوات الاثنتي عشرة" عادةً تشجيع مبادئ فسيولوجية كالشجاعة والصدق والتعاطف، بالإضافة إلى العلاج النفسي بالتوازي. ومع ذلك، فإن معظم هذه التدخلات النفسية والسلوكية تعاني من ارتفاع معدلات الفشل وزيادة حالات الانتكاس. وُصفت هذه الدراسة، التي قادها الدكتور درو كيرالي في كلية إيكان للطب في ماونت سيناي بالولايات المتحدة الأمريكية، بأنها "مُثيرة" و"مبتكرة" لأنها المرة الأولى التي يُقدّم فيها بديل لبرامج علاج الإدمان التقليدية. إنها خطوة كبيرة في اتجاه جديد للسيطرة على إدمان الكوكايين والقضاء عليه لدى المرضى.
نهج جديد لإدمان الكوكايين
يُعرف بروتين G-CSF بقدرته على إحداث إشارة إيجابية في مراكز المكافأة بالدماغ . وكما هو متوقع، وجد الباحثون أنه عند حقن هذا البروتين مباشرةً في مراكز المكافأة في أدمغة الفئران (المعروفة باسم "النواة المتكئة")، لوحظ ارتفاع ملحوظ في سلوك البحث عن الكوكايين واستهلاكه بشكل عام، حيث بدت الفئران في حالة اشتهاء شديد. يُمكن أن يكون استهداف أو تحييد G-CSF نهجًا آمنًا وبديلًا للحد من هذا الإدمان. ومن المثير للاهتمام أن علاجات آمنة ومُختبرة متوفرة بالفعل لتحييد G-CSF. تُستخدم هذه الأدوية بشكل روتيني لتحفيز إنتاج خلايا الدم البيضاء (الخلايا المُكافحة للعدوى) بعد العلاج الكيميائي أثناء علاج السرطان، نظرًا لأن العلاج الكيميائي عادةً ما يُثبط خلايا الدم البيضاء. عند إعطاء هذه الأدوية لتحييد G-CSF، فقدت الفئران كل دافع ورغبة في البحث عن الكوكايين. كان هذا تحولًا جذريًا. كما لم يتغير أي سلوك آخر للحيوان في هذه العملية، في حين أن العديد من التجارب السريرية السابقة قد أشارت إلى احتمالية إساءة استخدام أي نوع من الأدوية التي جُرِّبت لعلاج الإدمان . كان هذا اكتشافًا بالغ الأهمية للباحثين لتمكينهم من معالجة إدمان الكوكايين من خلال هذه الأدوية التي تم اختبارها بالفعل وحصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
هل من الممكن؟
يشير الباحثون إلى أن بدء استخدام أي نوع من الأدوية الجديدة ينطوي دائمًا على تحديات عديدة، تشمل الآثار الجانبية المحتملة، وطرق التناول، والسلامة، والجدوى، واحتمالية إساءة الاستخدام. ويؤكد الباحثون أنه بمجرد توفر فهم أوضح لكيفية استهداف هذا البروتين على النحو الأمثل للحد من السلوك الإدماني، ستزداد احتمالات ترجمة النتائج إلى تجارب سريرية على البشر. ويمكن تطبيق علاجات مماثلة على مخدرات أخرى كالهيروين والأفيون، وهي أرخص ثمنًا (مقارنة بالكوكايين) ومتاحة لشريحة أوسع من السكان في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، كما أنها تُهرّب بشكل غير قانوني. ونظرًا لتشابه تأثيرات معظم المخدرات واستهدافها مناطق متداخلة في الدماغ، فقد يكون هذا العلاج ناجحًا معها أيضًا. ورغم أن الجدول الزمني المحتمل للتجارب السريرية على البشر غير واضح وقت نشر هذه الدراسة، إلا أن هناك طرقًا معيارية للتغلب على العديد من هذه التحديات، وهذا مجال جديد واعد لعلاج الإدمان، قد يصبح واقعًا قريبًا. تقرب هذه الدراسة العلماء قليلاً من إيجاد العلاج النهائي لإدمان الكوكايين (وغيره من المخدرات المماثلة) لدى البشر دون التسبب في أي تغييرات سلوكية أخرى أو أي مخاطر جانبية للإصابة بإدمان آخر.
***
المصدر (ق)
كاليباري وآخرون، 2018. عامل تحفيز مستعمرات الخلايا المحببة يتحكم في اللدونة العصبية والسلوكية استجابةً للكوكايين. نيتشر كوميونيكيشنز ، 9. https://doi.org/10.1038/s41467-017-01881-x
***
